تقاليد عيد الفصح في القدس قبل الاحتلال

تقاليد عيد الفصح في القدس قبل الاحتلال (1-3)

 انطون سابيلا

 يبدأ موسم عيد الفصح مع عطلة نهاية الاسبوع الذي يشهد الكرنفال حيث يكون امام الذين يتهيأون للصيام فرصة أخيرة، قبل عيد الفصح، لتناول مع طاب لهم من الأطباق الغنية والحلويات. معظم الأسر الفلسطينية تلتزم بالصيام، بما في ذلك الأطفال الذين يمتنعون عن أكل اللحم يوم الاربعاء والجمعة، ويقومون بأداء التضحيات "الصغيرة".

 مع وصول المجموعات الاولى من حجاج عيد الفصح، وخصوصا من قبرص واليونان وقبل حرب عام 1967، من مصر وغيرها من الدول العربية المجاورة ، فإن اجواء عيد الفصح تبدأ في الظهور، وخاصة في منطقة حارة النصارى. كانت تقام بسطات بيع الهدايا التذكارية في كل زاوية في الشوارع والأزقة المؤدية الى كنيسة القيامة. وتعرض للبيع الشموع من جميع الأحجام والتصاميم، ويوقم الأطفال المحليون بتوظيف الكلمات والعبارات الاجنبية التي تعلموها حديثا لجذب الحجاج لشراء الهدايا التذكارية.

وكان والدي صديقا لرجل من عائلة فرنجية يدعى ابو روجيه، وهو لبناني الاصل من بلدة زغرتا. وكان ابو روجيه يمتلك محلا لبيع الهدايا التذكارية على بعد خطوات من كنيسة القيامة. وفي موسم عيد الفصح كنت اعمل في متجر ابو روجيه لعدة ايام حيث هناك تعلمت بعض العبارات والكلمات اليونانية. وكان ابو روجيه تقيا وورعا للغاية ويرفض ان يبيع بأكثر من هامش الربح المتواضع الذي حدده لنفسه. وكان الزوار يفضلون الشراء من عند ابو روجيه لأخلاقياته وقلبه الطيب. وكان الحجاج المصريون يتهافتون على الوشام رزوق في حارة النصارى لوشم الصليب على اجسادهم أو اي رسم مقدس يؤكد قيامهم بالحج الى القدس. ويدعى الحاج المصري المسيحي الى القدس ب "المقدِّس". كما ويقال للحجاج القبارصة "حجينا". وفي الاعوام القليلة الماضية توقف مجيىء الحاجينا اليونان باعداد كبيرة بسبب الوضع الاقتصادي السيىء لليونان وقبرص.

وتعتبر حارة النصارى من أشهر حارات القدس والتي لا بد لكل زائر للقدس ان يمر في شوارعها عدة مرات للتعرف على تراثها التاريخي ومنازلها وزواريبها. وشباب حارة النصارى مشهود لهم بالنخوة والشهامة وحب المساعدة ولكن مثل سائر شباب القدس فإن الهجرة ادت إلى افراغ هذه الحارة العريقة من الكثيرين من ذوي الطاقات الكبيرة.

وفي موسم عيد الفصح تمتلىء حارة النصارى بالحجاج القادمين من قبرص واليونان، وغالبيتهم من الكبار في السن الذين يقومون بشراء الهدايا التذكارية والشموع المميزة التي يجري إعدادها لإحتفالات سبت النور التي يلعب فيها شباب حارة النصارى دورا رائدا. ومن التقاليد الجميلة التي كانت سائدة قبل الاحتلال في حارة النصارى ركن صناديق (صحارات) البيض الملون امام المنازل والمحلات التجارية والتنافس على طقش البيض. وكان لي صديق يحب ممارسة الخدع " البريئة" فقام بصنع بيضة من خشب ولونها وذهب الى حارة النصارى وجمع المئات من البيض الملون الى ان اكتشفه شخص حذق وكاد ان ينال علقة ساخنة لولا تدخل العقلاء وقيام والده بالتعويض على البيض "المسروق".

وفي يوم الاحد الذي يسبق اربعة الرماد، حيث يبدأ الصوم الكبير، كانت والدتي-رحمها الله- تقوم بإعداد السمبوسك (فطير محشو باللحم) والمطبق (فطير من الحلويات المحشو إما بالجوز أو الجبنة الحلوة)، وطبعا كان ذلك يتوافق مع عيد المسخرة حيث كنا نقوم بإحياء حفلات المسخرة في المنزل والحي، حيث الزيارت لمجموعات المسخرة الى المنزل والأحياء الاخرى. وأذكر ذات مرة ان جاء قريب لنا ومعه صديق وهو يرتدي زي امرأة ولم يتعرف عليه احد، وقد ذهبا الى محل جعفر للحلويات في سوق خان الزيت واشتريا الكنافة وعادا ولم يكتشفهما احد مع العلم ان تجار سوق خان الزيت يمضون الكثير من اوقاتهم امام محلاتهم وهم يحدقون بالمارة.

يبدأ أسبوع الفصح مع أحد الشعانين. وتتخصص بعض العائلات في حارة النصارى في إعداد فروع النخيل بتصاميم مثل الشجرة مع وجود جيوب لحمل بالزهور. وتشتري العائلات المحلية شجر النخل، لا سيما تلك المباركة في الأطفال الصغار، وتزين بالورود والشرائط الملونة استعدادا لإحتفالات أحد الشعانين، والتي هي حقا حدث مجتمعي. في نهاية القداس، توزع أغصان الزيتون على الرعايا دلالة للسلام.

 يشارك افراد المجتمع بعد ظهر يوم أحد الشعانين في المسيرة التقليدية، برئاسة بطريرك اللاتين، من بيت عنيا، وهي قرية تقع على المنحدرات الشرقية لجبل الزيتون، إلى كنيسة القديسة حنة التي تبعد خطوات فقط من باب الاسباط في داخل المدينة القديمة.

وقد تغيرت طبيعة هذه المسيرة بعد الاحتلال إذ ان المشاركين الآن يحملون اليافطات والاعلام الفلسطينية التي تؤكد على هوية المسيحيين الفسطينيين كما يحمل الجميع فروع النخيل التي ترمز إلى النصر، وفي نهاية المسيرة، يقوم المشاركون بعد الزياح في كنيسة القديسة حنة بهز فروع النخيل بينما يدخل البطريرك ساحة الكنيسة. أما الصوت المنتج فيذكر بتلك الفروع التي هزتها الحشود التي تجمعت حول السيد المسيح لدى دخوله القدس. وبعد المسيرة، يقام استعراض كشفي تقليدي حول اسوار المدينة القديمة وتسير الفرق الكشفية التي تتقدمها حسب التقاليد مجموعة الكاثوليك العرب في بزاتهم الملونة والأعلام والإيقاعات الشعبية والوطنية.

 يتبع...